مسرح جبلة الروماني

مدينة جبلة قديمة تعود إلى العصور الكنعانية، عرفت قديماً باسم كابالا ورد ذكرها في بعض الآثار التي تم العثور عليها في مملكة أوغاريت، خضعت للآشوريين زمناً طويلاً ثم أصبحت تابعة لمملكة أرواد الفينيقية، حافظت جبلة على اسمها مع بعض التحريف البسيط منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، فقد ذكرتها النصوص الأوغاريتية باسم جبعلا ويعني اسمها البئر العميقة نظراً لانخفاض مستوى المياه الجوفية فيها وعمق آبارها، وفي العصور الهلينستية والرومانية والبيزنطية أصبح اسمها يلفظ على شكل كابالا لعدم وجود حرف العين في اللغتين اليونانية واللاتينية. ‏
بني مدرج جبلة على أنقاض معبد فينيقي وتم ترميمه في العهد الروماني، وعلى الرغم أنه لا توجد معلومات دقيقة مؤكدة حول تاريخ بنائه إلا أن بعض الباحثين يرجع تاريخ تشييده إلى عهد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان مع أن هذا غير مؤكد حتى الآن، لكن من خلال دراسة معمارية لمسقط المدرج وزخارفه الهندسية ومقارنة مخططاته معمارياً مع المواصفات الهندسية لمثيلاته من الأبنية والإنشاءات خلال المراحل الزمنية المختلفة يمكننا القول إن بناءه يعود إلى القرن الثاني الميلادي.
يعد المسرح الروماني في جبلة خامـس أهم مـدرج أثـري فـي العالـم وواحداً من ثمانية مسارح أثرية تم اكتشافها في سورية، ويعتبر هذا النوع من الإنشاءات والأبنية من أشهر الفنون المعمارية السورية ويعتبر تتويجاً للتراث المعماري السوري.
يستوعب مدرج جبلة الأثري نحو 8000 شخص ويحتل المركز الثاني في سورية من حيث استيعابه للجمهور وسلامة بنائه بعد مسرح بصرى الذي يستوعب أكثر من 10000 متفرج، يقع المسرح وسط مدينة جبلة وفي الجهة الشرقية للمدينة القديمة بمحاذاة السور الروماني.
مدرج جبلة هو صرح ثقافي وحضاريٌ استثنائي ويمثل حالة متقدمة من الثقافة والفكر تروي أحجاره تاريخ هذه المنطقة ويشكل إضافة مهمة للمعالم التاريخية في سورية.
حول البيزنطيون مسرح جبلة إلى قلعة للدفاع عن المدينة ويبدو أن المسرح قد بقي يستخدم قلعةً في العصور اللاحقة، نستدل على ذلك من المباني والإنشاءات التي أضيفت خلال تلك الفترات واللقى الأثرية من الفخار والنقود القديمة التي تم العثور عليها أثناء أعمال التنقيب ومنه أطلق على الموقع اسم القلعة، الذي بات المسرح يعرف به حتى وقتنا الحالي.
استخدم المهندسون والفنيون حجارةً كبيرةً ضخمةً عند بناء مدرج جبلة الذي يتكون من قسمين رئيسيين: هما المنصة وأماكن المتفرجين ويفصل كل قسم عن الآخر ساحة الأوركسترا، يبلغ قطر المسرح الأعظمي90 م تتوسطه ساحة نصف دائرية قطرها نحو 21 م تدعى الصحن، وفي وسطه قناة تصريف مياه الأمطار تمر من تحت منصة التمثيل، وجدارها الأمامي مزين بمحاريب ذات شكل نصف إسطواني، كما يوجد وراءها الكواليس التي لم يبق منها ما يدل على وجودها أصلاً وذلك بسبب الإشغالات التي تم إحداثها في مراحل زمنية متلاحقة إضافة إلى الاهتلاك والتخريب نتيجة عوامل الزمن والطبيعة.

تم بناء المدرج على أقواس وعقود بشكل هندسي دقيق، تحمل عقوده 35 صفاً من المقاعد الحجرية تفصل بينها مسافات يمر من خلالها الجمهور أثناء حركته ضمن المسرح وذلك وفق هندسة مدروسة تتشابه إلى حد كبير مع هندسة البناء المتبعة في أيامنا هذه.
يدل بناء المسرح وتنظيم مدرجاته وعقوده وأروقته وأسلوب بنائه والمواد المستخدمة وتزييناته الحجرية على مهارة هندسية كبيرة تستند إلى عبقرية السوريين في ذلك العصر.

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *